الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

67

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] ، إلى قوله : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 22 ] ، فإن قوله : الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، تنبيه على دلالة الاختراع ، وقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً [ البقرة : 22 ] تنبيه على دلالة العناية . ومثل هذا قوله سبحانه : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [ يس : 33 ] ، وقوله جل شأنه : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] . فهذه الطريق هي الصراط المستقيم التي دعا اللّه الناس منها إلى معرفة وجوده ، ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى ، وإلى هذه الفطرة الأولى المستقرة في طباع البشر أشار بقوله سبحانه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا [ الأعراف : 172 ] ، ولذا قد يجب على من كانت رغبته طاعة اللّه ، والإيمان به ، وامتثال ما جاءت به رسله ، أن يسلك هذه الطريقة ، حتى يكون من العلماء الذين يشهدون للّه بالربوبية مع شهادته لنفسه وشهادة الملائكة ، كما قال تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ آل عمران : 18 ] . ومن الدلالات الموجودات من هاتين الجهتين وجود الأشياء مسبحة للّه تعالى ، المشار إليه بقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] ، فالكائنات من حيث كونها موجودة ، فيها دليل الاختراع ، ومن حيث كونها خاضعة للّه منقادة لما أراده منها ، مثل دوران الأفلاك ، وسيلان الماء ، وهطول الأمطار ، وما إلى ذلك ، فيه دلالة الغاية والعناية . فقد بان من هذه الأدلة أن الدليل على وجود الصانع منحصر في هذين الجنسين دلالة العناية ودلالة الاختراع ، وأن هاتين الطريقتين بأعينهما طريقة الخواص ، وأعنى بالخواص العلماء ، وطريقة الجمهور ، وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل ، أعنى أن الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبينة على الحس ، وأما العلماء فيزيدون على ذلك ما يدرك بالبرهان ، حتى قال بعضهم : أن الذي أدركه العلماء من معرفة أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب من كذا